عبد الرحمن بدوي

231

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

قال أفلاطون : وبعد التكليس والطبخ فردّهما على الانفراد إلى التصعيد - إلى أن قال : فكل واحد بما يشاكله . فإن تفاوت فاعلم أنك قد غلطت ، فتدارك خطأك . قال أحمد : قوله بما يشاكله - يريد به أن يصعد الكلس بالأثال والمطبوخ بالقرع . وهذا التصعيد متحان العمل ، وذلك أن الجسد إن صعد منه في هذه الدرجة شئ فهو الدليل على الفساد في التدبير وذلك أن الغرض فيه أن يعرّى مما يصعد ويفارق . والروح والنفس إن بقي منهما ما لا يصعد ، ويتفاضل البعض على البعض ، فهو دليل الفساد أيضا ، إذ العمل الأكبر أن يقاما خلوين من الشوائب والعكر متشابهى الأجرام واحدى الذات . قال أفلاطون : فإن رأيت العمل في التصعيد غير مشاكل فدبّره أيضا ، لأن تدبيره أنجع من تدبير غيره . قال أحمد : يقول : إذا صاعدت المكلّس والمطبوخ فوجدتهما على غير السداد فردّهما إلى العمل . والتدبير أيسر من الابتداء في غيره . قال أفلاطون : وليكن تدبيرك في الكل تدبير الآلة في الجرم المحيط . قال أحمد : يعنى بالجرم المحيط « الفلك » ، ويعنى بالتدبير فيه « الاستحالات » التي تكون نتيجتها رد الشئ إلى عالم العوالم . ألا ترى النبات وينابيع الماء والحيوان كيف تستحيل ويرتفع منها اللطيف ويتحفظ منها الكثيف بردّ الشئ إلى شكله في أوانه ، والتدبير مع ذلك ، أعنى به انخفاضها [ 34 ا ] دائما فيها . فلو لم يظهر التدبير إلّا في الجرم السيّال الذي هو الماء لكفى ودلّ على المراد . فإنّا نرى الماء يخرج من الينابيع والأجرام الأرضيّة ، وهو حينئذ البسيط أغلب عليه منه وقد بقي على وجه الأرض مدّة فيجذبه حرّ الهواء من وجه الأرض ومن الحيوان والنبات ، فيسيل بعد ما يفيض منه بعض التساوي إلى أسفل ، ثم يرتفع أيضا ويدبّر بالتدبير الأول . ومما يصحح هذا القول البحر : لما كان الماء راكدا فيه والتدبير دائما في الجذب منه صار العكر الغالب عليه . ولولا ما ينصبّ فيه من ماء الينابيع وما يردّه الهواء إليه لصار بحاله من العكر والتفاوت ، لا يتكون معها فيه الحيوان . لكن المدبّرين من تدبيرهم رد اللطيف على الكثيف ليسهلوا به ردّ الكثيف إلى التساوي فالمقتدى بسيرة الآلة ميسّر له المراد في عمله .